يوم عرفة
و من بين المواقف الاستثنائية و الأحداث المؤثرة التي تحدث أثناء أداء مناسك الحج، هذا التجمع الضخم الذي يشهده الحجاج
و هو يوم عرفة. هذا الجمع الغفير المجتمع هنا لتلبية نداء الله عبر التلبية و للدعاء لله، و تتطلع القلوب لرحمته و خشيته و الخوف من العذاب. و هم يطلبون مغفرته العظيمة في هذا اليوم الذي تحدث فيه اكبر تظاهرة إسلامية. و يذكرنا هذا الحدث بحدث آخر لكنه أكثر أهمية من حيث الجانب المرئي، و هو يوم البعث العظيم حيث تتجمع الأجيال الأولى و الأخيرة في نفس المكان في انتظار الحساب العظيم الذي يقرر مصائر البشر. و سيعلم كل إنسان هل سيقدر له أن يستمتع بالنعيم الأبدي أم انه سيكون مصيره جهنم و بئس المصير.
مقتطفات من كتاب بعنوان الحج و تهذيب النفس للشيخ عبد الرزاق العباد (168-176).
يعتبر وقوف الحجاج بعرفة فريضة أساسية لا يصح الحج بدونها و لا يتم. و يجتمع جميع الحجاج بهذا المكان خلال هذا اليوم ( اليوم التاسع من ذو الحجة)، مثلما فعل النبي محمد ( صلى الله عليه و سلم)، خلال حجته الوحيدة في العام العاشر للهجرة، عندما رافقه مائة و عشرون ألف حاج.
و عندما سئل النبي محمد ( صلى الله عليه و سلم) من طرف أحد الصحابة حول أهمية هذا اليوم، أجاب : " لا يوجد يوم مثل عرفة يعتق فيه الله الرقاب من النار". و نصح المؤمنين الغائبين عن عرفة بصيام هذا اليوم.
و يعتبر يوم عرفة يوما عظيما حيث يجتمع الحجيج في مكان البعث اين يجتمع الناس واقفين منتظرون الحساب العظيم. و قد ترك الحجيج أهاليهم و عائلاتهم و ممتلكاتهم و تجارتهم و اجتمعوا يرتدون نفس الثياب لعبادة الله الواحد الأحد.
و خصصوا وقتهم لتلاوة القرآن و ذكر الله و الدعاء له. الكل يرغب في كسب حب الله .لقد اتوا من كل نحو و صوب بأعداد تبلغ الملايين لا بهدف السياحة أو الراحة أو المغامرة و لا التجارة كذلك و لكن الغاية و الهدف واحدان و هما طاعة الله و الشهادة بأنه الواحد الأحد لا شريك له جل جلاله و تعظمت صفاته وهو على كل شيئ قدير .
و عبر الاقتداء بهم، فقد طلب منا الرسول ( صلى الله عليه و سلم)، نحن المتغيبون عن هذا المكان العظيم في هذا اليوم أن نصوم و أن نقضي اليوم في الصلاة و الدعاء لله. و وجب الوعي باهمية أجر هذا اليوم و هذه المناسبة .
و عند غروب الشمس مؤذنة بانتهاء يوم عرفة، تتضاعف جهود الحجيج في عبادة الله و الدعاء له باكين مكثرين من ذكره في خشوع. و تتضاعف وتيرة هذه الجهود في محاولة أخيرة للفوز بأجرهذا اليوم . و بعد غروب الشمس يجب أن يغادر الحجيج عرفة هذا المكان المقدس و هذه الأجواء الخاشعة. و سيلقى كل جزاءه على قدر ما قدم من الخشوع و الإيمان و الدعاء.
و يجب على الحجيج المغادرة و مواصلة الدرب نحو شعائر و مناسك أخرى . يمكن لجميع الشعائر الأخرى (الأضحية، رمي الجمرات، الطواف و السعي، حلق الرأس بالنسبة للرجال، إلخ) ان تقام في اوقات مختلفة و لكن الوقوف بعرفة ليس له مثيل .
و سيكون اليوم الأخير على الأرض مثل ذلك، و سيكون العباد في انتظار يوم الحساب معظمهم إن لم نقل كلهم راغبين في العودة للحياة على الأرض والتكفيرعن ذنوبهم و سهوهم عن عبادة الله مع أنهم كانوا قادرين على فعل ذلك و لم يفعلوا طيلة حياتهم و لم يعبدوا الله و يطيعوه و يقولون : "إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا ساجدين " (القرآن الكريم السورة 32، الآية 15). و لكن لا رجعة لما مضى.
و يشبه يوم عرفة يوم القيامة و يوحي هذا اليوم بالخشوع لله الواحد الأحد. لأن الله عندما أراد تعظيم و إجلال نبيه محمد ( صلى الله عليه و سلم) قال تعالى : "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" (القرآن الكريم السورة 17، الآية 1).
ان كل الشعائر و خاصة مناسك الحج تجسد خشوع العباد لله سبحانه و تعالى.
و بعد غروب الشمس، تبدأ الإفاضة الكبرى، بتوافد الملايين من الحجيج مغادرين جبل عرفة و متجهين نحو منى مرورا بمزدلفة في خشوع و هدوء كبيران. جموع غفيرة, من النساء و الرجال و البيض و السود و الشيب و الشباب، على الأقدام أو في السيارات بنفس اللباس مرددين نفس الادعية "لبيك اللهم لبيك"، إني أستجيب لندائك ربي، نعم أستجيب، أستجيب لك إلاهي الواحد الأحد لا شريك لك، سبحانك، ما من نعمة بي إلا منك وحدك الحمد لك و الشكر لك لا شريك لك.
و لا يمكن أن يحس بهذه اللحظات من الخشوع التام و السكينة إلا الذي لبى نداء الرب.
و لهذه الأسباب، ليس من المنطقي و المعقول أن ينفق المسلمون أموالهم و يضيعوا وقتهم في اللهو و السياحة مع أنهم لم يؤدوا هذه الفريضة الواجبة عليهم. و يجب أن يتم المسلم فريضة الحج بمجرد الاستطاعة
و من يجرب أداء فريضة الحج مرة واحدة، و يشهد هذه اللحظات العظيمة و الأماكن المباركة و المقدسة التي زارها النبي محمد ( صلى الله عليه و سلم)، التي شهدت ولادة الرسول، و نشأة الإسلام، و الأماكن التي تنزل فيها الوحي على الرسول( صلى الله عليه و سلم) ، لن يستطيع أن يجد مكانا أروع و أجمل و أكثر صفاء و نورا أكثر من المسجد الكبير، و جبل عرفة و منطقة مينا و أخيرا و ليس آخرا قبر النبي المصطفى محمد صلى الله عليه و سلم.












TUNIS
Casablanca



France
Morocco
Saudi Arabia
Tunisia